📁 منوعات

المجتمع والسلطة | تحليل نص عبد الرحمان ابن خلدون: المجتمع ووازع السلطة (مباهج الفلسفة)

المقدمة

يندرج نص عبد الرحمن بن خلدون ضمن مجزوءة الإنسان، وفي إطار محور "سلطة المجتمع"، حيث يعالج إشكالية أساس الاجتماع البشري وضرورة وجود سلطة (وازع) تكفل السلم وتحد من العدوان. فإذا كان التعاون بين البشر شرطًا لبقائهم وتوفير قوتهم، فإن طبيعتهم العدوانية تهدد هذا التعاون باستمرار.

فهل يمكن للاجتماع البشري أن يستمر دون سلطة؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى "وازع" يكف عدوانه؟ وكيف تمكن الضرورة الطبيعية للتعاون من إنتاج ضرورة سياسية للسلطة؟

التحليل

I ـ أطروحة النص

يدافع ابن خلدون عن أطروحة مفادها أن الاجتماع البشري ضروري لحياة الإنسان، لأن الفرد وحده عاجز عن مقاومة أخطار الحيوانات وتأمين قوته، مما يستوجب التعاون مع أبناء جنسه. غير أن هذا الاجتماع، بسبب ما في طبيعة البشر من عدوان ووحشية، يولد صراعات لا بد لها من "وازع" يدفع عدوان بعضهم عن بعض. وهذا الوازع لا يمكن أن يكون من غير البشر بل لا بد أن يكون من البشر أنفسهم، أي سلطة أو ملك يكف الظلم ويحقق السلم والأمان. فالسلطة إذن شرط ضروري لاستمرار الاجتماع البشري، وهي نابعة من طبيعة الإنسان نفسها: حاجته للتعاون وميله للعدوان.

II ـ المفاهيم الأساسية

  • الاجتماع البشري: العمران الضروري لبقاء الإنسان.
  • التعاون: الوسيلة التي يحصل بها الإنسان على قوته ودفاعه.
  • القوت: الغذاء والموارد الضرورية للحياة.
  • العدوان والتوحش: النزعات الطبيعية في البشر والتي تهدد الاجتماع.
  • الوازع/السلطة: الرادع الذي يكف العدوان ويحافظ على السلم.
  • العلاقة بين هذه المفاهيم علاقة جدلية: الاجتماع ضروري لكنه ينتج عدوانًا، والعدوان يستدعي وازعًا، والوازع يستمد من الاجتماع نفسه.

III ـ البناء الحجاجي

  • الحجة الواقعية الأنثروبولوجية: عجز الإنسان الفردي عن البقاء أمام قوى الطبيعة والحيوانات يضطره للتعاون مع بني جنسه.
  • الحجة الغريزية النفسية: طبيعة البشر العدوانية تجعل الاجتماع مهددًا بالصراع الداخلي.
  • الحجة المنطقية الاستدلالية: التناقض بين ضرورة التعاون ووجود العدوان يستلزم وجود "وازع".
  • الحجة التركيبية: السلطة ليست اختيارية بل ضرورية لبقاء الاجتماع الإنساني.

المناقشة

🔹 قيمة النص

إذا تأملنا واقع المجتمعات البشرية قديما وحديثا، نجد أن الفوضى وغياب السلطة (حالات الفلتان الأمني، الحروب الأهلية) تؤدي عادة إلى انهيار التعاون وتفشي العدوان، مما يؤكد أطروحة ابن خلدون حول ضرورة وجود وازع. كما أن فكرة أن السلطة تنبثق من المجتمع نفسه (واحد منهم) وليس من خارجه تتفق مع نظريات العقد الاجتماعي الحديثة التي ترى أن الشرعية تستمد من إرادة المحكومين.

تتجلى قيمة ما قدمه ابن خلدون في كونه أسس لنظرية سياسية واقعية تنطلق من طبيعة الإنسان (الحاجة والعدوان) وليس من مبادئ مثالية مجردة. كما أن تحليله للعلاقة بين العمران والسلطة يعد سبقًا تأسيسيًا لعلم الاجتماع السياسي. ويتقاطع هذا الطرح مع نظرية توماس هوبز حول "الحرب الكل ضد الكل" وضرورة وجود "الليفياثان" كسلطة مطلقة تكفل السلم، وكذلك مع تحليل ماكس فيبر (في النص السابق) حول احتكار الدولة للعنف المشروع، ومع فلسفة جون لوك التي ترى أن السلطة تنشأ لحماية الحقوق الطبيعية.

🔹 حدود النص

مع ذلك، يمكن القول إن تصور ابن خلدون للسلطة كـ "وازع" يركز على الجانب السلبي (كف العدوان) أكثر من الجانب الإيجابي (تمكين التعاون والإبداع). فالسلطة ليست فقط رادعة بل يمكن أن تكون محفزة للتنمية والعدالة الاجتماعية. كما أن تأكيده على ضرورة السلطة قد يهمل خطر تحولها إلى استبداد، إذ أن "الوازع" إذا لم يضبط هو نفسه يصبح مصدر عدوان.

تتجلى حدود النص في عدم تناوله لآليات مراقبة السلطة والحد من طغيانها، وهي قضايا تناولها الفكر السياسي الحديث (فصل السلط، الدستور، حقوق الإنسان). وهنا يمكن استحضار موقف جون لوك الذي اشترط أن تكون السلطة محدودة بالقانون وبموافقة المحكومين، وتحليل مونتسكيو حول ضرورة توزيع السلطات لضمان الحرية، ونقد ميشيل فوكو للسلطة بوصفها قادرة على إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة حتى وهي تكف العدوان.

الخاتمة

يتضح من خلال التحليل أن ابن خلدون يؤسس لضرورة السلطة (الوازع) انطلاقًا من طبيعة الإنسان المزدوجة: حاجته للتعاون وميله للعدوان. فالاجتماع البشري لا يمكن أن يستمر دون سلطة تكف الظلم وتحقق السلم. وقد أبرزت المناقشة عمق هذا التصور في تفسير أصل الدولة، مع الإشارة إلى ضرورة استكماله بتحليل آليات ضبط السلطة نفسها.

في رأيي الخاص، تظل أطروحة ابن خلدون صالحة لفهم الأساس الأنثروبولوجي للسلطة، غير أن المجتمعات الحديثة تواجه تحديًا مضاعفًا: كيف تنشئ سلطة قادرة على كف العدوان، وفي الوقت نفسه تضبط هذه السلطة حتى لا تتحول إلى عدوان جديد. الإجابة تكمن في الجمع بين القوة والقانون، بين الوازع والحرية، وهذا ما تشتغل عليه الفلسفة السياسية الحديثة.