📁 منوعات

درس المجتمع : الفرد والمجتمع

تمهيد إشكالي

إذا كان الإنسان كائنًا يعيش ضمن جماعة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتحدد هوية الفرد انطلاقًا من ذاته بوصفه كائنًا مستقلًا، أم أنه نتاج مباشر لـالمجتمع الذي يحتضنه؟ وهل العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة خضوع وهيمنة، أم علاقة تفاعل وتأثير متبادل؟

عرض المواقف الفلسفية

موقف أنتوني غيدنز

يؤكد في سياق تحليله للعلاقة الرابطة بين الفرد والمجتمع، على أهمية التنشئة الاجتماعية، باعتبارها عملية تكوينية تدريجية يتعلم من خلالها الفرد جملة من أنماط التفكير والسلوك وبعض المعارف والمهارات وأساليب الحياة. فهو يرى أن العلاقة بين الفرد والمجتمع تقوم على التفاعل المتبادل، حيث يسهم المجتمع في تشكيل شخصية الفرد عبر عملية التنشئة الاجتماعية التي يكتسب من خلالها القيم والمعايير وأنماط السلوك. غير أن الفرد ليس كائنًا سلبيًا خاضعًا بشكل آلي لتأثير المجتمع، بل هو فاعل يمتلك وعيًا وقدرة على التأثير، ويسهم بدوره في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية وتغييرها.

موقف نوربرت إلياس

لتوضيح طبيعة العلاقة الموجودة بين الفرد والمجتمع ينتقد "نوربرت إلياس" كل من أنصار المجتمع القائلين "كل شيء يرجع إلى المجتمع"، وأنصار الفرد الذين يرون "أن كل شيء يرجع إلى الفرد"، ليؤكد على وجود علاقة جدلية بينهما. فلا وجود لمجتمع بدون أفراده، والفرد لا يساوي شيئًا بدون مجتمعه، إذ أن وجود أحدهما يفترض بالضرورة وجود الآخر. فإذا كان المجتمع يمارس تأثيره على الفرد ويشرط تكوين شخصيته من خلال قنوات التربية والتنشئة، فإن هذا لا يعني أن الفرد مجرد موضوع سلبي يخضع فقط لتأثير المجتمع، فهو ليس قطعة نقدية تشبهها آلاف القطع، بل الفرد والمجتمع بمثابة وجهان لعملة نقدية واحدة، علاقتهما علاقة تأثير وتأثر.

موقف إميل دوركهايم

يدافع دوركهايم عن أطروحة مفادها أن المجتمع ليس عدوًا للفرد، بل هو الشرط الأساسي لوجوده وتحقيق فردانيته. فالفرد لا يمكن أن يوجد ككائن بشري مكتمل خارج المجتمع، لأن المجتمع يتغلغل في كيانه ويكون "خير ما فيه". ينطلق من رفض فكرة التعارض المطلق بين الفرد والمجتمع، ويؤكد أن المجتمع يشكل جوهر الفرد ذاته. فاللغة، وهي أساس التفكير الفردي، هي نتاج اجتماعي يتوارثه الأفراد، مما يثبت أن الفرد مدين للمجتمع في أهم مقومات وجوده.

موقف ألان رينو

يدافع ألان رينو عن أطروحة مفادها أن الفرد لم يتبوأ مكانته ككائن مستقل وقيمة أساسية إلا مع الفكر الحديث، رغم أن جذور هذا المفهوم تعود إلى الفلسفات القديمة وإلى النزعة الاسمية في العصور الوسطى. فالتصور الحديث للفرد يتميز بجعله "مبدأ وقيمة أساسية"، أي أنه أصبح الأساس الذي تُبنى عليه المعرفة والأخلاق والسياسة. يرصد رينو تطورًا تاريخيًا لمفهوم الفرد وصولًا إلى التبلور الكامل للفردانية في العصر الحديث حيث يُعتبر الفرد غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة.

موقف ماكس شتيرنر

يدافع شتيرنر عن أطروحة راديكالية مفادها أن المجتمع في صيغته المؤسساتية (الدولة) يشكل تهديدًا وجوديًا للفرد، حيث يقوم على نفي الذات الفردية وإخضاعها لسلطة عليا. في المقابل، يميز بين هذا المجتمع القمعي وبين "الرابطة" التي يصفها بأنها ثمرة إرادة الأفراد وتعبير عن فردانيتهم. فالرابطة علاقة حرة ومؤقتة، بينما المجتمع كيان مفروض يلغي الذات ويحل محلها.

موقف كارل ماركس

يدافع ماركس عن أطروحة مفادها أن مفهوم الفرد ليس معطى طبيعيًا ثابتًا، بل هو نتاج تاريخي ارتبط بتطور أشكال المجتمع، خاصة المجتمع البرجوازي الحديث. فالفرد لا يوجد ككيان مكتفٍ بذاته خارج العلاقات الاجتماعية، بل تتحدد فردانيته داخل شبكة من الروابط الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم فإن تصور الفرد ككائن مستقل ومنعزل ليس سوى وهم أيديولوجي يخفي حقيقة كونه نتاجًا لشروط مادية وتاريخية محددة.

خلاصة تركيبية

يتبين من خلال استحضار هذه المواقف أن العلاقة بين الفرد والمجتمع لا يمكن اختزالها في منطق أحادي يجعل أحدهما أصلًا مطلقًا للآخر. فبقدر ما يشكل المجتمع إطارًا بنيويًا يؤطر الفرد ويمنحه اللغة والقيم والمعايير، فإنه لا يلغي فاعليته وقدرته على المبادرة والتغيير. كما أن الفرد، رغم تمتعه بالوعي والإرادة، لا يوجد في فراغ بل داخل شروط تاريخية واجتماعية محددة. وعليه، يمكن القول إن الفرد والمجتمع يشكلان نسقًا مترابطًا يقوم على التفاعل والتأثير المتبادل؛ فالمجتمع شرط تحقق الفرد، والفرد في الآن ذاته فاعل في إعادة إنتاج المجتمع وتحويله. إنها علاقة جدلية تجعل كلًّا منهما محتاجًا إلى الآخر في الوجود والمعنى.