recent
أخر المقالات

المحور الثاني: الحرية والإرادة (روني ديكارت - جون بول سارتر)

المحور الثاني: الحرية والإرادة 

إشكال المحور: 

هل تصدر أفعالنا عن إرادتنا الحرة أي عن اختيارنا، أم أنها صادرة عن شروط تتجاوز تلك الإرادة فنكون ملزمين على القيام بها؟

أولا: موقف روني ديكارت

أثارت الفلسفة في عصر النهضة الأوروبية إشكال حرية الإرادة الإنسانية. وكان ديكارت من أبرز الفلاسفة الذين حاولوا بيان هذه المسألة. حيث ذهب ديكارت إلى القول بحرية الإنسان واختياره، وأساس هذا الاختيار في نظره هو الإرادة الإنسانية؛ وهذه الإرادة هي ملكة الفعل وأصل كل سلوك إنساني بغض النظر عن قيمته الأخلاقية؛ كما أنها لا تتقيد ضرورة بالحدود الخارجية أثناء الفعل أو الترك؛ ومن ثمة يكون الإنسان حرا بقدر امتداد قدرته واتساع إرادته، التي لا تطابق  بالتأكيد  حرية وإرادة الخالق. فإرادة الإنسان مستمدة من إرادة خالقه وهي على صورتها، ممتدة بقدر امتداد قدرته واستطاعته. ووعينا ومعرفتنا بأسباب أفعالنا وإرادتنا يدعم عند ديكارت فكرة الحرية لدينا ويؤكد اختيارنا؛ يظهر ذلك في قدرتنا على ترجيح الفعل الذي يلائم ميولنا ثم اتخاذنا لقرار الفعل أو الترك؛ والحكم الذي يناسب هذا القرار إثباتا أو نفيا من جهة الخير أو الشر، الحق أو الباطل؛ هو خاص بالبشر وحدهم.

ثانيا: موقف جون بول سارتر

تعدُّ الوجودية عند سارتر مذهبا للحرية، إذ الحرية في مسلك سارتر الفلسفي هي جوهر الوجود الإنساني، بل بها يتأسس هذا الوجود؛ ووجود الإنسان يسبق ماهيته، وهو وجود يختلف عن الوجود الطبيعي لكونه وجودا حر ا (فكر ا وممارسة). وفهم إرادتنا الحرة يتيح عند سارتر تحررنا، وتحررنا يتحقق بتجاوز الحواجز والحدود والقيود التي تكبل إرادتنا. فوجودنا الحي منطلق دائما نحو الممكن لا يتحدد بإشراطات الماضي بل بمقاصدنا ونويانا المتعلقة بالمستقبل. غير أن إرادتنا ليست هي المظهر الوحيد لحريتنا، بيد أنها تشكل البؤرة التي تتجلى فيها. ولذا فالحرية بالمعنى الجوهري نفي للقيود وللحدود؛ وسابقة (اعتباريا لا زمانيا) على الإرادة؛ فهذه الإرادة مجرد تعبير عن حريتنا في موقف، تعبير ممزوج بوعي وتأمل ورَوِيَّة . وعن طريق الوعي نضع غايات تسير وِفقها إرادتنا: نحن نعي ثم نريد ثم نقرر ونفعل. فنحن إذن مَن يحدد مشروع وجوده ومصيره بوعي وحرية واختيار والتزام. ومن هنا فنحن عين ما نفعل. وجملة القول إن مقاصدنا وغاياتنا وأهدافنا تنشأ أولا في أصل الحرية، ثم تنطلق منها نحو التحقق والتجلي في الآفاق من خلال إرادتنا، فالحرية أساس الإرادة وأصل الوعي وقوة الفعل.

خلاصة المحور

يتضح مما تقدم أن الإرادة الإنسانية إرادة حرة، وهي خاصية ملازمة للذات البشرية من حيث قدرتها على التفكير والعمل، على الوعي والممارسة. وارتباط الإرادة بالفكر يمهد للفعل، ولكن لا يكون الفعل ممكنا إلا إذا توفرت ظروف إنجازه. فالنظر مقدمة للعمل، والمعرفة شرط للممارسة، والوعي بكل ذلك مع التنفيذ والإنجاز يتيح وصف الإنسان بأنه كائن: واع بذاته وحريته وإرادته وقدرته، فلزم من ذلك أنه مسؤول عن اختياره وقراره

google-playkhamsatmostaqltradent