recent
أخر المقالات

المحور الأول: الواجب والإكراه (كانط - هيوم - دوركايم)

المحور الأول: الواجب والإكراه

تقديم اشكالي

يشير مفهوم الواجب بالمعنى الأخلاقي إلى الأمر الملزم للإرادة الإنسانية، ويقتضي من حيث دلالته مجموعة من الأفعال الخاضعة لقيم ومعايير أخلاقية: كالاحترام، والامتثال، والطاعة، والانقياد لقاعدة أخلاقية أو قانونية أو اجتماعية... وينفتح مفهوم الواجب على بعدين:
  • بعد فردي يرتبط بمفاهيم الضمير الأخلاقي، والوعي والمسؤولية...
  • بعد اجتماعي يرتبط بالقيم والضوابط الاجتماعية والقانونية والمؤسسات العامة.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فهل الواجب أمر صادر عن إرادة عاقلة فاعلة وحرة، أم هو أمر خارجي يحكمه الإكراه والضرورة الاجتماعية؟ وإذا كان الواجب ملزما مكرها للإرادة، فما هي درجة إلزامه وإكراهه؟ وما علاقته بالوعي الأخلاقي والضمير؟ وهل هذا الضمير فردي خاص أم جماعي عام؟

أولا: موقف إيمانويل كانط

يقول إن "الإرادة لا تخضع دوما لأوامر العقل، لذاك يمارس العقل إكراها عليها، وهذا الإكراه هو الأمر الأخلاقي". وفي نظره، الأوامر الأخلاقية نوعان: الأوامر الأخلاقية الشرطية التي تعبر عن الضرورات العملية لبعض الأفعال التي لا ينظر إليها في ذاتها بل من خلال نتائجها، وهذه الأفعال عبارة عن وسائل لتحقيق بعض الأهداف. والأوامر الأخلاقية القطعية أو المطلقة، وهي الأوامر التي تنظر إلى الأفعال لا من حيث النتائج المنتظرة منها بل تأخذ الأفعال من حيث هي غاية في ذاتها، إنها أوامر غير مشروطة بأية نتائج أو ميول، بل لها بداهة مباشرة، لدرجة أن الإرادة تعرف أن تخضع لهذه الأوامر، وهذه الأوامر ذات صبغة كونية شمولية.
بالتالي فالواجب هو أمر قطعي، بل هو تعبير عن قانون العقل ولذلك فالواجب ليس استجابة لميل أو غاية أو لوضعية خاصة، إنما الواجب استجابة لنداء العقل ومن ثمة ضروريته وشموليته وكونيته.

ثانيا: موقف دافيد هيوم

يقول هيوم: "إن العقل وحده يجب أن يكون عبدا تابعا للعواطف، ولا يجب أن يقوم بعمل آخر أكثر من خدمة وإطاعة العواطف". إنه لا يمكن تأسيس الأخلاق على دعامة من العقل وحده، لأن الأحكام الأخلاقية خاضعة للعرف والعادة والبيئة الاجتماعية. من هنا ويقسم هيوم الواجبات الأخلاقية إلى نوعين: واجبات أخلاقية مصدرها العاطفة: هي التي يقوم بها الناس بدافع غريزي طبيعي، وهو نوع لا يبدو فيه أي شعور بالإلزام أو أي اعتبار لمنفعة عامة أو خاصة مثلا: حب الأطفال، شكر المُحسنين، العطف على المُعوِزين، على هذا الأساس يصبح الواجب الأخلاقي التزاما ذاتيا عاطفيا. وواجبات أخلاقية نابعة عن إلزام من ضرورة المحافظة على المجتمع البشري: وهذا النوع من الواجب، هو ما يصدر عن الإحساس بالإلزام اتجاه الضرورات والواجبات الاجتماعية التي تفرض سلطتها على الناس.
وهكذا، فالإكراه الموجود في الواجب يرجع إما إلى ضرورة طبيعية (غريزية) وإما إلى ضرورة اجتماعية (عقلية).

ثاليا: موقف إميل دوركايم

الواجب الأخلاقي في نظر دوركايم إلزام صادر من المجتمع أي من خارج الفرد، فكل مجتمع يحدد واجبات معينة، وهذه الواجبات ليست مطلوبة لذاتها بل مرغوبة، بحكم ما يترتب عنها من نتائج مفيدة وخيرة للفرد.
فالفرد يشعر في البداية بثقل هذه الواجبات لكنه عندما يتعود عليها يخف شعوره بهذا الثقل. وكلما كانت النتائج المتوقعة من أداء الواجب مرغوبة كان من المتوقع قيام الفرد به.
إن الأمر الأخلاقي القطعي عند كانط مجرد من كل قيمة عملية في تصور دوركايم، لأنه ليس إلا مظهرا من مظاهر الواقع الأخلاقي الذي يقتضي بذل مجهود من طرف الفرد في أداء الواجبات المفروضة عليه كي ينال قيمة وفائدة ومنفعة عملية من وراء ذلك. فإذا لم تكن هناك فائدة من القيام بالواجب فلا طائل من إنجازه.

خلاصة المحور

إن الواجب الأخلاقي نوعان: ذاتي واجتماعي. فالواجب الذي ينبع من الضمير الأخلاقي للفرد هو صدى لسلطة الجماعة، وهكذا يتخذ شكل إلزام اجتماعي وأخلاقي وقانوني. قد يعود أصل الواجب إلى قناعة الذات الحرة وإرادتها الخيرة، لكنه يؤول في الأصل إلى شروط الحياة الاجتماعية التي تقتضي تقسيما للوظائف والمهام، وتجعل من أداء الواجبات المرتبطة بها أمرا أخلاقيا مرغوبا، ليس لذاته بل لفوائد والنتائج العملية التي تترتب عنه. كما لا يمكن قيام الفرد بالواجبات المنوطة به بدون وعي وحرية وإرادة ومسؤولية، أي أن أداء الواجبات مشروط بتحويل الإنسان ـ بفعل التنشئة الاجتماعية - من كائن طبيعي بيولوجي إلى كائن اجتماعي وذات أي إلى شخص أخلاقي عاقل.

https://www.philorami.net/2022/03/Emile-Durkheim.html
google-playkhamsatmostaqltradent