أولًا: مطلب الفهم
تأطير النص
يندرج نص برتراند راسل ضمن مجزوءة الإنسان، حيث يعالج مفهوم الوعي، ويتطرق خصوصًا إلى إشكالية الإدراك الحسي والشعور، وما يرتبط بها من تساؤل حول طبيعة الوعي وعلاقته بالعالم الخارجي. فإذا كان الإنسان يتلقى باستمرار مؤثرات صادرة عن محيطه، فإن السؤال يطرح حول الكيفية التي يتحول بها هذا التأثير الخارجي إلى وعي وإدراك وشعور.
الإشكالات
- ما المقصود بالوعي؟ وهل هو مجرد استجابة للمؤثرات الخارجية أم يتضمن إدراكًا وشعورًا بها؟
- كيف يتحدد الوعي من خلال علاقة الإنسان بالعالم الخارجي؟
- وهل يكفي وجود المؤثر الخارجي لقيام الوعي، أم أن الوعي يرتبط أيضًا بطريقة استجابة الإنسان وإدراكه لهذه المؤثرات؟
ثانيًا: مطلب التحليل
أطروحة النص
يدافع برتراند راسل عن أطروحة مفادها أن الوعي يرتبط أساسًا بردود أفعال الإنسان تجاه المؤثرات والأحداث الصادرة عن العالم الخارجي، وأن فهم الوعي لا يتحقق بمجرد تحديد الأشياء الموجودة في المحيط، وإنما من خلال الكشف عن الطريقة التي يستجيب بها الإنسان لها ويدركها ويمنحها دلالة معينة. فالوعي لا يتمثل في مجرد وجود العالم الخارجي أمام الإنسان، بل يتجلى في العلاقة التي يقيمها الإنسان معه من خلال الاستجابة والإدراك.
ويضرب راسل مثالًا بالحجارة ليبين أن وجود الشيء الخارجي في حد ذاته لا يكفي للحديث عن الوعي؛ فالحجر لا يصدر عنه وعي تجاه الحجر الآخر، بينما الإنسان يستطيع أن يدرك الأشياء المحيطة به وأن يستجيب لها، وأن يكشف من خلال استجاباته عن أفكاره ومشاعره ومواقفه. ومن ثم فالوعي يتحدد من خلال علاقة الإنسان بالعالم الخارجي وطريقة استجابته له، وليس باعتباره حالة منفصلة عن الواقع.
شرح المفاهيم والعلاقة بينها
يرتكز النص أساسًا على مفاهيم الوعي، والعالم الخارجي، ورد الفعل، والإدراك. فالوعي هو إدراك الإنسان لذاته ولما يحيط به، بينما يشير العالم الخارجي إلى مجموع الأشياء والأحداث والمؤثرات الموجودة خارج الذات والتي يمكن أن تؤثر فيها. أما رد الفعل فيشير إلى الاستجابة التي تصدر عن الإنسان تجاه هذه المؤثرات، في حين يمثل الإدراك عملية استقبال المؤثر وفهمه وتمييزه. وتقوم العلاقة بين هذه المفاهيم على علاقة ترابط وتلازم؛ فالمؤثر الخارجي يشكل منطلقًا للإدراك، والإدراك يقود إلى استجابة تكشف عن وجود الوعي. لذلك فالوعي لا يظهر باعتباره شيئًا منفصلًا عن العالم، بل يتجلى من خلال علاقة الذات بمحيطها وطريقة استجابتها لما يحدث فيه.
البنية الحجاجية للنص
اعتمد راسل في بناء موقفه على مجموعة من الأساليب الحجاجية المترابطة؛ فقد بدأ بـالتوضيح والتحديد عندما حاول بيان صعوبة تحديد مفهوم الوعي بدقة، ثم لجأ إلى المثال من خلال الحديث عن الحجر لتمييز مجرد وجود الأشياء عن الاستجابة الواعية لها. كما اعتمد المقارنة بين استجابة الإنسان واستجابة الأشياء غير الواعية، ليبرز خصوصية الوعي الإنساني. ثم وظف الاستنتاج عندما انتقل من تحليل ردود أفعال الإنسان تجاه العالم الخارجي إلى اعتبار هذه الردود جزءًا أساسيًا من فهم الوعي. وبذلك تخدم الحجاجية العامة للنص إثبات أن الوعي يتجلى في علاقة الإنسان بالعالم الخارجي من خلال الإدراك والاستجابة.
ثالثًا: مطلب المناقشة
قيمة النص
قبل الدخول في مناقشة موقف راسل، يمكن ملاحظة أن الإنسان في حياته اليومية لا يستقبل المؤثرات الخارجية بشكل محايد؛ فهو يرى ويسمع ويتفاعل ويكوّن مواقف تجاه ما يحدث حوله. فمثلًا، قد يستجيب شخصان للموقف نفسه بطريقة مختلفة، لأن وعي كل واحد منهما وإدراكه للموقف يختلف عن الآخر.
تتجلى قيمة ما قدمه صاحب النص في إبراز أن الوعي لا يمكن فهمه باعتباره حالة داخلية منعزلة، بل ينبغي ربطه بعلاقة الإنسان بالعالم الخارجي وبطريقة إدراكه للمؤثرات والاستجابة لها. كما تكمن قيمة النص في تأكيد الدور الذي تلعبه التجربة الحسية في تشكل الوعي. ويتقاطع هذا التصور مع موقف موريس ميرلو-بونتي الذي يرى أن الوعي لا ينفصل عن علاقة الإنسان بجسده وبالعالم الذي يعيش فيه، وأن الإدراك يمثل نمطًا أساسيًا في حضور الإنسان داخل العالم.
حدود النص
لكن إذا كانت استجابة الإنسان للمؤثرات الخارجية تكشف جانبًا مهمًا من الوعي، فإن اختزال الوعي في هذه الاستجابة وحدها قد لا يكون كافيًا لتفسير مختلف أبعاده؛ فالإنسان يستطيع أن يستحضر أفكارًا وذكريات وتصورات حتى في غياب المؤثر الخارجي المباشر.
وتتجلى حدود النص في تركيزه على علاقة الوعي بالعالم الخارجي، دون إعطاء أهمية كافية لما يجري داخل الذات من أفكار وذكريات ودوافع ورغبات قد تؤثر بدورها في وعي الإنسان. ويمكن هنا استحضار موقف سيغموند فرويد الذي أكد أن الحياة النفسية للإنسان لا تختزل في ما هو واعٍ، بل تتدخل فيها أيضًا عمليات ودوافع لاواعية تؤثر في أفكاره وسلوكه.
رابعًا: مطلب التركيب
يتضح من خلال التحليل أن برتراند راسل يربط الوعي بعلاقة الإنسان بالعالم الخارجي، ويعتبر أن ردود أفعال الإنسان تجاه المؤثرات الخارجية تكشف عن إدراكه ووعيه بها، فالوعي لا يعني مجرد وجود الأشياء أمام الذات، وإنما الطريقة التي تدرك بها الذات هذه الأشياء وتستجيب لها. غير أن المناقشة أظهرت أن الوعي لا يختزل فقط في علاقته بالمؤثرات الخارجية، لأنه يرتبط أيضًا بالحياة الداخلية للإنسان وبأفكاره وذكرياته ودوافعه.
وفي رأيي، فإن الوعي يقوم على تفاعل متبادل بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه؛ فنحن ندرك العالم ونستجيب له، لكننا في الوقت نفسه نفسر ما ندركه انطلاقًا من تجاربنا وأفكارنا ومشاعرنا، ولذلك فالوعي أوسع من مجرد رد فعل على مؤثر خارجي.