🔵 المقدمة
يندرج نص ألان توران ضمن مجزوءة الإنسان، وفي إطار محور "سلطة المجتمع"، حيث يعالج إشكالية كيفية فهم العلاقة بين الفاعل الاجتماعي والمجتمع. فإذا كانت النظريات الكلاسيكية تنظر إلى المجتمع بوصفه كيانًا متماسكًا يفرض نفسه على الأفراد، فإن توران يقدم تصورًا مغايرًا يعيد فيه تعريف المجتمع نفسه كنتاج للصراعات وليس كأصل ثابت.
فهل المجتمع ماهية ثابتة تسبق الأفراد؟ أم هو حدث متجدد ينتج عن تفاعلاتهم وصراعاتهم؟ وكيف يمكننا فهم الفاعل الاجتماعي انطلاقًا من هذه الرؤية الجديدة للمجتمع؟
🔵 التحليل
I ـ أطروحة النص
يدافع ألان توران عن أطروحة مفادها أن المجتمع ليس كيانًا ثابتًا أو مبدأ وحدة قائمًا بذاته، بل هو "حدث" و"نتيجة" للصراعات الاجتماعية والتوجهات الثقافية التي ينتجها الفاعلون الاجتماعيون. فالمجتمع في نظره ليس ماهية جوهرية، بل هو تركيب متغير من الصراعات الكامنة أو المكشوفة، ومن أشكال التفاهم والحوار، ومن أنماط السيطرة والعنف. ينطلق توران من رؤية منهجية جديدة مفادها أن فهم الفاعل الاجتماعي لا يتم عبر المجتمع الذي ينتمي إليه، بل عبر الانطلاق من الفاعلين أنفسهم ومن الصراعات القائمة بينهم، لأن هذه الصراعات هي التي تنتج المجتمع وتعيد إنتاجه باستمرار.
II ـ المفاهيم الأساسية
يرتكز النص على مفاهيم: المجتمع، الفاعل الاجتماعي، الصراع، الحدث، الماهية، السلطة،، الممارسة. المجتمع عند توران ليس "ماهية" (جوهر ثابت) بل "حدث" (نتاج متغير). الفاعل الاجتماعي هو الوحدة الأساسية للتحليل، وليس المجتمع. الصراع هو القوة المنتجة للمجتمع، سواء كان كامنًا أو مكشوفًا. السلطة تحدد موقع المجموعات الاجتماعية في علاقاتها ببعضها. التفاهم والعنف هما وجهان للعلاقات الاجتماعية الممكنة. الممارسة هي ما ينبغي فهمه عبر تحليل الصراعات. العلاقة بين هذه المفاهيم هي علاقة قلب منهجي: فبدلاً من تفسير الفاعل بالمجتمع، يتم تفسير المجتمع بالفاعلين وصراعاتهم. المجتمع ليس أصلًا بل نتيجة، وليس وحدة بل مزيجًا متغيرًا من التناقضات.
III ـ البناء الحجاجي
اعتمد توران في نصه بناءً حجاجيًا تفكيكيًا، بدأ بنقد حاد للتصور الكلاسيكي الذي يعتبر المجتمع "مبدأ وحدة"، مؤكدًا أن هذه النظرة لم تعد صالحة لفهم التعقيد الاجتماعي. ثم انتقل إلى إعادة تعريف المجتمع عبر سلسلة من الثنائيات المفاهيمية (كامن/مكشوف، تفاهم/عنف، سيطرة/فوضى) ليبرهن على أن المجتمع هو محصلة هذه التناقضات وليس كيانًا متجانسًا. كما وظف حجة منهجية أساسية مفادها أن فهم الفاعل الاجتماعي يقتضي الانطلاق من الفاعلين أنفسهم وصراعاتهم، وليس من كيان اجتماعي مفترض سلفًا، مستخدمًا بذلك قلبًا للعلاقة التقليدية بين الفرد والمجتمع. وختم بحجة تركيبية تؤسس لمقاربة جديدة تركز على "الممارسة" كمفتاح لفهم الظاهرة الاجتماعية، وبذلك ينتقل توران من سوسيولوجيا البنى إلى سوسيولوجيا الفعل والحركات الاجتماعية.
🔵 المناقشة
🔹 قيمة النص
إذا تأملنا واقع المجتمعات المعاصرة، نجد أنها تعج بالحركات الاجتماعية والاحتجاجات والصراعات الثقافية والسياسية التي تعيد تشكيل القوانين والمؤسسات باستمرار. فالمجتمع لم يعد كتلة صماء، بل هو ساحة مفتوحة لتعبير الفاعلين عن مطالبهم وهوياتهم. تتجلى قيمة ما قدمه توران في تحويله للنظر إلى المجتمع من كونه "ماهية" ثابتة إلى كونه "حدثًا" متجددًا، مما يفتح المجال لفهم التغيير الاجتماعي والتحولات التاريخية. كما أن تركيزه على الفاعل الاجتماعي والصراعات يعيد الاعتبار لدور الأفراد والجماعات في صنع التاريخ، بدل اعتبارهم مجرد ركائز سلبية لبنى قائمة. ويتقاطع هذا الطرح مع سوسيولوجيا بيير بورديو حول الحقول الاجتماعية والصراع على الرموز، ومع تحليل ميشيل دو سيرتو للممارسات اليومية كأشكال مقاومة، وكذلك مع نظريات الحركات الاجتماعية التي تركز على دور الفاعلين الجماعيين في إنتاج التحول.
🔹 حدود النص
مع ذلك، يمكن القول إن تركيز توران على الصراع بوصفه المنتج الوحيد للمجتمع قد يقلل من أهمية عوامل الاستقرار والتوافق والتماسك الاجتماعي. فالمجتمعات لا تعيش فقط حالة صراع دائم، بل تتأسس أيضًا على قيم مشتركة وروابط تضامنية تحافظ على وحدتها. فهل يمكن اختزال المجتمع في صراعاته فقط؟ تتجلى حدود النص في إهماله للبنى المستقرة والمؤسسات الراسخة التي تحد من تأثير الصراعات وتوجهها. وهنا يمكن استحضار موقف إميل دوركهايم (الذي سبق تحليله) الذي رأى أن المجتمع يقوم على "الضمير الجمعي" والقيم المشتركة التي تضمن التماسك، وكذلك موقف تالكوت بارسونز الذي شدد على أهمية التوافق حول القيم والمعايير لاستقرار النظام الاجتماعي. كما أن بعض التيارات الجماعاتية (الكوميونيتارية) ترى أن الإفراط في التركيز على الصراع يؤدي إلى تفتيت النسيج الاجتماعي.
🔵 الخاتمة
يتضح من خلال التحليل أن ألان توران يقدم نقلة نوعية في فهم المجتمع، حيث يحوله من كيان ثابت إلى حدث متجدد ينتجه الفاعلون عبر صراعاتهم وتفاعلاتهم. وقد أبرزت المناقشة أهمية هذه المقاربة في تفسير التحولات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية، مع الإشارة إلى ضرورة عدم إهمال عوامل التوافق والاستقرار التي تضمن استمرارية المجتمعات.
في رأيي، يشكل طرح توران تصحيحًا ضروريًا للنزعة البنيوية التي تهمش دور الفاعل، غير أن التحليل الاجتماعي المتوازن يحتاج إلى الجمع بين فهم الصراعات المنتجة للتغيير وفهم البنى المستقرة التي تؤطر هذه الصراعات. المجتمع إذن هو جدلية دائمة بين البناء والفعل، بين الاستقرار والتحول.