🔵 المقدمة
يندرج نص جان بيشلر ضمن مجزوءة الإنسان، وفي إطار محور "سلطة المجتمع"، حيث يعالج إشكالية طبيعة السلطة السياسية وعلاقتها بالمجتمع. فإذا كانت السلطة تشكل ضرورة لتنظيم الحياة الجماعية، فإن ممارستها تحمل في طياتها خطر الانزلاق نحو القوة والعنف، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات ضبطها ومراقبتها.
فما هي العناصر المكونة للسلطة؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يوازن بينها ليمنع تحولها إلى استبداد؟ وهل يمكن الاستغناء عن السلطة أم أنها ملازمة لأي تنظيم اجتماعي؟
🔵 التحليل
I ـ أطروحة النص
يدافع جان بيشلر عن أطروحة مفادها أن كل سلطة سياسية منظمة (أي دولة) تقوم على ثلاثة عناصر أساسية هي: القوة السافرة، النفوذ المعنوي أو الرمزي، والكفاءة التقنية والإنجاز. وتختلف نسب هذه العناصر حسب خصوصيات كل دولة، غير أن الخطر يحدث عندما يختل التوازن بينها وتميل السلطة إلى القوة والعنف. وهنا يبرز دور المجتمع ومؤسسات الحياة المحلية في ضبط هذا التوازن والسعي إلى مضاعفة الإيجابيات والحد من السلبيات. يؤكد بيشلر أن للسلطة "وجهاً شيطانياً" يتطلب المراقبة والضبط، لكنها في الوقت نفسه ضرورية لتحقيق الاستقرار والتوفيق بين الصراعات. والخلاصة أن السلطة ملازمة للمجتمع ولا يمكن الفكاك منها، لكن يمكن التحكم فيها عبر آليات مثل فصل السلط ومراقبة بعضها البعض.
II ـ المفاهيم الأساسية
يرتكز النص على مفاهيم: السلطة، الدولة، القوة السافرة، النفوذ المعنوي/الرمزي، الكفاءة التقنية، العنف، التوازن، فصل السلط. السلطة عنده هي "تجربة سياسية يومية مباشرة" تتولد عن لقاء إرادتين تخضع إحداهما للأخرى. الدولة هي التنظيم السياسي الذي يمارس السلطة. القوة السافرة تعني العنف المادي المباشر. النفوذ المعنوي أو الرمزي يشير إلى التأثير عبر القيم والأفكار والشرعية. الكفاءة التقنية تتعلق بالقدرة على الإنجاز وتدبير الشؤون العامة. العنف هو النتيجة عندما تطغى القوة ويفقد التوازن. التوازن هو الحالة التي تتوزع فيها العناصر بنسب متناسبة. فصل السلط هو آلية المراقبة المتبادلة. العلاقة بين هذه المفاهيم هي علاقة تركيب وتوازن: فالسلطة مركبة من ثلاثة عناصر، وتوازنها يمنع العنف، والمجتمع هو الضامن لهذا التوازن عبر آليات المراقبة والمشاركة.
III ـ البناء الحجاجي
اعتمد بيشلر في نصه بناءً حجاجيًا تحليليًا تركيبياً، بدأ بتأكيد الطابع المركب للسلطة عبر تحديد عناصرها الثلاثة (القوة، النفوذ، الكفاءة) مع الإشارة إلى تفاوت نسبها حسب خصوصيات كل دولة، مما يؤسس لفكرة التنوع السياسي ورفض النمذجة الأحادية. ثم انتقل إلى تحليل دينامية هذه العناصر، مبينًا أن اختلال التوازن لصالح القوة يقود إلى العنف والاستبداد، مستخدمًا بذلك حجة سببية تربط بين غياب التوازن وانزلاق السلطة نحو "الجانب الشيطاني". كما وظف حجة وظيفية عندما حدد دور المجتمع في ضبط هذا التوازن ومضاعفة الإيجابيات، مؤكدًا أن المجتمع ليس مجرد متلقٍ سلبي بل فاعل في تنظيم السلطة. وختم بحجة تركيبية شاملة توفق بين ضرورة السلطة وإمكانية التحكم فيها، مستعرضًا آليات المراقبة كفصل السلط والرقابة المتبادلة، ليخلص إلى أن السلطة ملازمة للمجتمع لكنها قابلة للضبط. وبذلك يبني بيشلر تصورًا متوازنًا يتجنب النقيضين: رفض السلطة نهائيًا أو قبولها دون شروط.
🔵 المناقشة
🔹 قيمة النص
إذا تأملنا واقع الأنظمة السياسية المعاصرة، نجد أن الدول المستقرة هي تلك التي تمكنت من تحقيق توازن بين القوة (الأمن)، والنفوذ (الشرعية والديمقراطية)، والكفاءة (التنمية والخدمات). بينما تنزلق الدول نحو الاضطراب والعنف عندما يختل هذا التوازن، كما هو الحال في الأنظمة الاستبدادية التي تطغى فيها القوة على حساب النفوذ والكفاءة. تتجلى قيمة ما قدمه بيشلر في تقديمه نموذجًا تحليليًا مرنًا لفهم آليات عمل السلطة، وتأكيده على دور المجتمع في ضبطها، مما يخرج النقاش من الثنائيات المبسطة (سلطة جيدة/سلطة سيئة) إلى تحليل معقد يراعي التركيب الداخلي للظاهرة السياسية. كما أن تركيزه على "الوجه الإيجابي" للسلطة كعامل استقرار وتوفيق بين الصراعات يقدم تصحيحًا ضروريًا للنزعات الفوضوية التي ترفض أي شكل من أشكال التنظيم السياسي. ويتقاطع هذا الطرح مع نظرية مونتسكيو في فصل السلط، ومع تحليلات ماكس فيبر حول أنواع الشرعية (التقليدية، الكاريزماتية، القانونية)، ومع فلسفة السياسة عند كانط التي تؤكد على ضرورة تنظيم السلطة عبر القانون.
🔹 حدود النص
مع ذلك، يمكن القول إن نموذج بيشلر يظل نظريًا إلى حد كبير، ولا يقدم آليات عملية كافية لكيفية تدخل المجتمع لضبط التوازن في ظروف الهيمنة والقمع. ففي الأنظمة الديكتاتورية، يكون المجتمع نفسه مكبوتًا وعاجزًا عن ممارسة أي دور رقابي. كما أن التركيز على "التوازن" بين العناصر الثلاثة قد يخفي صراعات جوهرية حول تحديد ماهية "الكفاءة" أو "النفوذ" ومن يملك تعريفها. تتجلى حدود النص في افتراضه الضمني أن المجتمع كيان متجانس قادر على لعب دور الضبط، بينما الواقع أن المجتمع نفسه مسرح لصراعات وتناقضات قد تستغل من قبل السلطة. وهنا يمكن استحضار موقف بيير بورديو الذي يرى أن السلطة الرمزية (النفوذ) هي شكل من أشكال الهيمنة المقنعة، وليست بالضرورة عنصر توازن. كما أن تحليل ميشيل فوكو للسلطة بوصفها منتشرة في كل مكان (السلطة الانضباطية، البيوبوليتيك) يكشف عن أبعاد للسلطة تتجاوز النموذج المؤسساتي الذي يقدمه بيشلر. ونقد مدرسة فرانكفورت (خاصة هابرماس) للعقلانية التقنية يظهر كيف يمكن أن تتحول "الكفاءة" نفسها إلى أداة هيمنة عندما تستقل عن القيم الأخلاقية والسياسية.
🔵 الخاتمة
يتضح من خلال التحليل أن جان بيشلر يقدم مقاربة مركبة للسلطة تبرز عناصرها المتعددة (القوة، النفوذ، الكفاءة) وتؤكد على دور المجتمع في ضبط توازنها لمنع انزلاقها نحو العنف والاستبداد. وقد أبرزت المناقشة قيمة هذا النموذج في فهم تعقيد الظاهرة السياسية، مع الإشارة إلى صعوبات تطبيقه في سياقات الهيمنة والصراع.
في رأيي، يمثل طرح بيشلر دعوة ذكية إلى تبني موقف واقعي من السلطة: لا رفض مطلق ولا خضوع أعمى، بل سعي دائم إلى ضبطها ومراقبتها عبر آليات دستورية ومجتمعية. المشكلة ليست في وجود السلطة، بل في كيفية تنظيمها وتوزيعها ومراقبتها. وهذا يتطلب مجتمعًا واعيًا ومؤسسات قوية قادرة على لعب دور الرقيب والتوازن، وهو ما يشكل التحدي الحقيقي لأي نظام سياسي يسعى إلى الديمقراطية والاستقرار.