ينفتح التفكير الفلسفي في التاريخ على إشكال مركزي يتمثل في طبيعة حركته وسيرورته. فإذا كان التاريخ يمثل المسيرة الزمنية الجماعية للإنسانية، بما تحمله من تغير وتحول، فإن هذا التحول لا يبدو بسيطًا أو منتظمًا على الدوام. فالتاريخ يكشف أحيانًا عن تراكمات متواصلة في المعرفة والتقنية والتنظيم الاجتماعي، لكنه يُظهر في أحيان أخرى انقطاعات حادة، وانتكاسات، وكوارث، وحروبًا تقوّض فكرة السير المستقيم نحو الأفضل. من هنا يبرز التساؤل الفلسفي العميق: هل يتحرك التاريخ وفق منطق التقدم الضروري، أم أنه يخضع لمسارات متشابكة تحكمها الصدفة والصراع والحرية الإنسانية؟ وهل يمكن الحديث عن غاية نهائية للتاريخ، أم أن مسيرته تظل مفتوحة وغير مكتملة؟
- ما طبيعة حركة التاريخ: هل هي حركة خطية تقدمية، أم دائرية تكرارية، أم قفزية غير منتظمة؟
- ما المحرك الأساسي للتاريخ: هل هو ضرورة داخلية (اقتصادية أو عقلية)، أم عوامل عرضية كالأفراد والصدفة؟
- هل للتاريخ غاية أو هدف نهائي؟
- وبأي معيار نقيس التقدم: هل بمعيار كمي تقني، أم بمعيار كيفي قيمي، أم بهما معًا؟
ليس التاريخ مجرد تسجيل محايد لأحداث الماضي، بل هو السيرورة الزمنية الفعلية للمجتمعات البشرية، بما تتضمنه من أفعال إنسانية، وصراعات اجتماعية، وتحولات اقتصادية وثقافية، ووعي جماعي بالذات وبالعالم. فالتاريخ هو نتاج الفعل الإنساني داخل الزمن، وليس مسارًا طبيعيًا مستقلًا عن الإنسان.
التقدم فكرة فلسفية تفترض أن حركة التاريخ تتجه نحو التحسن والارتقاء، سواء على المستوى المادي (العلم، التقنية، الاقتصاد)، أو على المستوى القيمي (الحرية، الأخلاق، العدالة). ويقوم التقدم على مبدأ التراكم، وعلى افتراض وجود أفق أفضل يُقاس به تطور الإنسانية، وهو ما يجعل هذه الفكرة محل نقاش فلسفي عميق.
ينطلق ماركس من المادية التاريخية التي ترفض تفسير التاريخ بالأفكار أو القيم المجردة، وتؤكد أن الواقع المادي والاجتماعي، وخاصة البنية الاقتصادية، هو المحدد الأساسي لمسار التاريخ.
يرى كارل ماركس أن التاريخ يتحرك وفق منطق تقدمي ضروري تحكمه القوانين المادية الموضوعية. فكل مجتمع يقوم على نمط إنتاج معين، يحمل في داخله تناقضًا بين قوى الإنتاج المتطورة وعلاقات الإنتاج الجامدة، مما يولّد صراعًا طبقيًا يؤدي حتميًا إلى تجاوز هذا النمط نحو نمط أكثر تقدمًا. وهكذا يشكل الصراع الطبقي المحرك الأساسي للتاريخ، الذي يتجه في مساره العام نحو تحرر الإنسان من الاستغلال.
- تقدم تفسيرًا عقلانيًا ومنهجيًا للتاريخ بعيدًا عن الغيب والأسطورة.
- تبرز دور الصراع الاجتماعي كقوة دينامية للتغيير التاريخي.
- تكشف العلاقة العميقة بين البنية الاقتصادية وباقي البنى الاجتماعية.
- تمنح التاريخ اتجاهًا ومعنى يقوم على فكرة التحرر.
- تنزع نحو الحتمية، مما يقلل من دور الحرية الإنسانية.
- تختزل التاريخ في العامل الاقتصادي وتهمش الثقافة والقيم.
- تقلل من أهمية الصدفة والأحداث غير المتوقعة.
- لم تتحقق نبوءتها التاريخية كما تصورها ماركس.
ينطلق ميرلوبونتي من رفض التصورات الحتمية المغلقة للتاريخ، والدفاع عن الفعل الإنساني والحرية داخل الزمن.
يرفض ميرلوبونتي اختزال التاريخ في منطق التقدم الحتمي، ويؤكد أن سيرورته تظل مفتوحة على الاحتمال والانحراف. فالأحداث العارضة، والقرارات الفردية، والحوادث المفاجئة قادرة على تغيير مسار التاريخ في أي لحظة. لذلك لا يمكن اعتبار التاريخ مسارًا محكومًا بقوانين صارمة، بل هو مجال تتداخل فيه الضرورة مع الحرية، والتوقع مع المفاجأة.
- تعيد الاعتبار لدور الحرية والفعل الإنساني.
- تقترب من تعقيد الواقع التاريخي الفعلي.
- تشكل نقدًا عميقًا للحتميات المفرطة.
- تبرز مسؤولية الإنسان في صنع التاريخ.
- المبالغة في دور الصدفة قد تفرغ التاريخ من أي منطق.
- تصعّب إمكانية بناء قوانين أو اتجاهات عامة.
- تهدد الطابع المعرفي المنهجي للتاريخ.
- قد تقود إلى رؤية فوضوية للتاريخ.
لشرح مبسط ومنهجي لهذا المحور مع أمثلة مدرسية، زر قناة Philorami واستمتع بمحتوى تعليمي يغني فكرك: اشترك في Philorami الآن
ينطلق ليفي ستراوس من البنيوية والنسبية الثقافية، رافضًا التمركز الغربي الذي يجعل من التقدم معيارًا كونيًا.
ينتقد ليفي ستراوس فكرة التقدم الخطي، ويرى أن التاريخ لا يسير في خط تصاعدي واحد، بل يتحرك عبر طفرات غير منتظمة. فقد تتقدم المجتمعات في مجالات معينة كالتقنية، بينما تتراجع في مجالات أخرى كالعلاقات الإنسانية أو التوازن مع الطبيعة. لذلك لا يمكن اعتبار الحاضر أفضل من الماضي، بل مختلفًا عنه، ويظل التقدم نسبيًا ومتعدد المسارات.
- تفكك وهم التقدم الخطي الشامل.
- تنتقد الغطرسة الحضارية الغربية.
- تبرز تكلفة التقدم التقني.
- تدافع عن تنوع المسارات التاريخية.
- تميل إلى نفي أي معنى موضوعي للتقدم.
- قد تقود إلى نسبية مفرطة أو عدمية تاريخية.
- تقلل من أهمية التحولات الكبرى.
- لا تقدم تصورًا بديلاً واضحًا لمسار التاريخ.
ينطلق هربرت ماركوز من النقد الاجتماعي والفلسفي للحضارة الصناعية الحديثة، ومن مساءلة العقل الأداتي الذي جعل التقنية غاية في ذاتها بدل أن تكون وسيلة لتحرر الإنسان.
يميز ماركوز بين نوعين من التقدم: تقدم كمي/تقني يتمثل في التراكم الهائل للمعرفة العلمية والقدرة على السيطرة على الطبيعة، وتقدم كيفي/إنساني يتمثل في تحرر الإنسان، وتحقيق حريته وكرامته. ويرى أن المجتمعات الصناعية الحديثة حققت تقدمًا مذهلًا من النوع الأول، لكنها أخفقت في النوع الثاني، إذ تحولت التقنية إلى أداة جديدة للهيمنة والاستلاب، بدل أن تكون وسيلة للتحرر الإنساني.
- تقدم معيارًا أخلاقيًا نقديًا لتقييم فكرة التقدم.
- تكشف الطابع الإيديولوجي للتقدم التقني حين ينفصل عن الإنسان.
- تفضح وهم الربط الآلي بين التطور التقني والتحرر الإنساني.
- تعيد مركزية الإنسان والقيم في فهم التاريخ.
- يصعب عمليًا الفصل التام بين التقدم الكمي والكيفي.
- تميل إلى تصور مثالي لماهية الإنسان المتحرر.
- تقلل من الإمكانات التحررية الكامنة في التقنية نفسها.
- تفتقر إلى تصور عملي بديل للمجتمع الصناعي.
ينطلق ريمون آرون من موقف إبستيمولوجي نقدي يتحفظ على الأحكام الفلسفية الشمولية، ويدعو إلى التمييز بين ما يمكن إثباته موضوعيًا وما يبقى محل تقدير قيمي.
يرى ريمون آرون أن الحديث عن التقدم يكون مشروعًا وموضوعيًا فقط في مجال العلم والتقنية، لأنها معرفة تراكمية قابلة للتحقق والمقارنة بين المراحل التاريخية. أما في مجالات الأخلاق أو السعادة أو الحرية، فلا يمكن الجزم بوجود تقدم مماثل، لأنها مجالات تخضع لاختلاف القيم والثقافات. لذلك يدعو آرون إلى موقف معتدل يعترف بتقدم جزئي ومحدد، دون تعميمه على التاريخ ككل.
- موقف واقعي يتجنب الأحكام المطلقة.
- يقدم معيارًا واضحًا نسبيًا لقياس التقدم (التراكم العلمي).
- يميز بدقة بين الوقائع والمعايير القيمية.
- يحافظ على الطابع النقدي للفلسفة التاريخية.
- يضيق مفهوم التقدم ويحصره في مجال واحد.
- يُقصي البعد القيمي والإنساني من تقييم التاريخ.
- يتجاهل الآثار السلبية للتقدم العلمي نفسه.
- يُجزّئ التجربة التاريخية بدل فهمها ككل مترابط.
يتضح من خلال هذه المواقف الفلسفية أن حركة التاريخ لا يمكن اختزالها في منطق واحد بسيط. فبين تصور ماركس الذي يجعل التقدم ضرورة مادية محكومة بقوانين الصراع، وموقف ميرلوبونتي الذي يفتح التاريخ على الحرية والاحتمال، ونقد ليفي ستراوس لفكرة التقدم الخطي، وتمييز ماركوز بين التقدم التقني والتحرر الإنساني، وتحفظ ريمون آرون الذي لا يعترف إلا بتقدم جزئي، يتبين أن التاريخ مجال توتر دائم بين الضرورة والحرية، والتراكم والانقطاع، والمكاسب التقنية والخسائر القيمية. لذلك فالتاريخ ليس مسارًا خطيًا حتميًا نحو الأفضل، ولا فوضى عمياء من الأحداث، بل سيرورة إنسانية معقدة، تظل مفتوحة على النقد والمراجعة، ويظل التقدم فيها مفهومًا إشكاليًا نسبيًا لا يُفهم إلا بوعي فلسفي نقدي.
