تمهيد إشكالي
يُعدّ الاجتماع البشري من الظواهر الملازمة للوجود الإنساني، إذ لا يمكن تصور الإنسان في عزلة تامة عن غيره، لأن حياته تقوم على التفاعل والتعاون وتقاسم المصالح. غير أن مجرد الإقرار بوجود المجتمع لا يكفي، بل يطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعته وأساسه: هل يرجع قيام المجتمع إلى طبيعة الإنسان وفطرته بما هو كائن لا تكتمل إنسانيته إلا داخل جماعة منظمة؟ أم أن المجتمع ليس سوى بناء اصطناعي أوجده الأفراد بإرادتهم لتنظيم حياتهم وضبط صراعاتهم؟ وإذا كان الإنسان يعيش داخل المجتمع، فهل يفعل ذلك بدافع الضرورة الطبيعية أم بمقتضى تعاقد عقلاني؟ وأي التصورين أقدر على تفسير نشأة الاجتماع البشري وتبرير وجود السلطة داخله؟
تحديد المفاهيم
1. الأساس الطبيعي للاجتماع
يقصد به أن الإنسان كائن اجتماعي بفطرته، وأن انخراطه في المجتمع ليس نتيجة اختيار حر، بل هو مقتضى طبيعته التي لا تكتمل إلا داخل الجماعة. فالمجتمع هنا معطى طبيعي، مثلما أن الأسرة امتداد لحاجة بيولوجية.
2. الأساس التعاقدي للاجتماع
يعني أن المجتمع ليس معطى طبيعياً، بل هو نتاج اتفاق واعٍ بين أفراد أحرار، تنازلوا بموجبه عن بعض حقوقهم الطبيعية لصالح سلطة عليا، مقابل ضمان الأمن والاستقرار. فالمجتمع هنا بناء سياسي عقلاني.
أولًا: الأساس الطبيعي للاجتماع البشري
موقف أرسطو
يدافع أرسطو عن أطروحة مفادها أن الإنسان حيوان مدني بطبعه، أي أن قدره الطبيعي هو العيش داخل مجتمع منظم.
ينطلق من تحليل نشأة المدينة (Polis)، معتبراً أنها تكتل يضم مجموعة من القرى، وغايتها تحقيق الاكتفاء الذاتي ومن ثم بلوغ السعادة (Eudaimonia). فالمدينة ليست مجرد تجمع عددي، بل هي الإطار الذي تتحقق فيه غاية الإنسان القصوى.
ويؤكد أن ما يوجد بالطبيعة هو ما يحقق غايته الخاصة؛ وبما أن طبيعة الإنسان لا تكتمل إلا داخل المدينة، فإن الاجتماع إذن طبيعي. فالإنسان خارج المجتمع إما كائن ناقص لم يبلغ إنسانيته، أو كائن متعالٍ عنها.
ويميز أرسطو الإنسان عن الحيوان بامتلاكه اللغة (اللوغوس)، التي تمكنه من إدراك الخير والشر والعدل والظلم، ومن ثم سن القوانين المنظمة للحياة المشتركة. ومن هنا فأساس الاجتماع عنده هو الطبيعة العاقلة للإنسان.
موقف ابن خلدون
يرى ابن خلدون أن الاجتماع البشري أمر ضروري طبيعي، لأن الإنسان عاجز عن تلبية حاجاته الأساسية بمفرده.
فالإنسان محتاج إلى الغذاء، والغذاء يتطلب سلسلة من العمليات (الزراعة، الحصاد، الطحن، الخبز...)، وكل عملية تحتاج إلى صناعات وأدوات، مما يفرض التعاون وتقسيم العمل. كما أن الإنسان ضعيف من الناحية الجسدية، ويحتاج إلى الجماعة للدفاع عن نفسه.
ومن هنا يؤكد أن الإنسان "مدني بالطبع"، أي مفطور على الاجتماع، وأن التعاون والتضامن ضرورة لبقاء النوع البشري. فالاجتماع عنده ليس اختياراً بل شرطاً للوجود الإنساني.
ثانيًا: الأساس التعاقدي للاجتماع البشري
موقف جان جاك روسو
يذهب جان جاك روسو إلى أن أساس الاجتماع البشري تعاقدي.
فهو يميز بين حالتين: حالة الطبيعة حيث كان الإنسان يعيش حراً، بسيطاً، مسالماً؛ والحالة المدنية التي نشأت نتيجة التعاقد بين الأفراد لوضع قوانين تنظم حياتهم المشتركة.
فالمجتمع عند روسو ليس معطى طبيعياً، بل نتيجة اتفاق يهدف إلى حماية الأفراد وضمان حقوقهم. ورغم أن الانتقال إلى الحالة المدنية أفقد الإنسان حريته الطبيعية المطلقة، فإنه أكسبه حرية مدنية وأخلاقية، وجعله يخضع لإرادة عامة تعبر عن المصلحة المشتركة.
موقف توماس هوبز
يبلغ التصور التعاقدي مداه الأقصى عند توماس هوبز، الذي ينطلق من فرضية حالة طبيعة يسودها الخوف والصراع وانعدام الأمن، حيث تؤدي حرية الأفراد المطلقة وتساويهم في القدرة إلى «حرب الكل ضد الكل».
وأمام هذا الوضع المهدد للحياة، يدفعهم العقل إلى التنازل عن حقوقهم الطبيعية لفائدة سلطة سيادية مطلقة تضمن السلم والاستقرار. ومن ثم فالمجتمع عند هوبس ليس امتداداً للطبيعة، بل حلٌّ تعاقدي عقلاني لمشكلة العنف، ووسيلة لحماية حق الإنسان في البقاء.خلاصة تركيبية
يتبين أن الخلاف حول أساس الاجتماع البشري يتراوح بين اعتباره ضرورة طبيعية نابعة من ماهية الإنسان، كما رأى أرسطو وابن خلدون، وبين اعتباره بناءً تعاقدياً عقلانياً فرضته الحاجة إلى تنظيم الحرية وضبط الصراع، كما عند روسو وهوبس. غير أن هذا التعارض لا يلغي إمكان التكامل؛ فقد يكون الإنسان مستعداً بطبعه للاجتماع، لكن تنظيم هذا الاجتماع وضمان استقراره يقتضي تأسيسه على قواعد وقوانين متعاقد عليها. وإذا كان الاجتماع يطرح سؤال أساسه، فإنه يفضي إلى إشكال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع: فهل تقوم هذه العلاقة على الانسجام والتكامل، أم على التوتر والصراع بين حرية الفرد وسلطة الجماعة؟🔔 لمزيد من الشروحات المنهجية المبسطة في الفلسفة، تابع قناة Philorami على يوتيوب.
