recent
أخر المقالات

الحور الثالث: الحرية والقانون (طوماس هوبس - بنجامان كونستان)

المحور الثالث: الحرية والقانون

الإشكال الخاص بالمحور:

وجدت القوانين والشرائع لضبط أفعال الناس وتوجيهها الوجهة التي تخدم النظام العام والحياة المشتركة؛ فهل يفهم من ذلك أن وجود القوانين يتعارض مع الحرية ويلغيها، أم على العكس، ينبغي أن يفهم من ذلك كون القوانين هي شرط تحقق الحرية الفعلي؟

أولا: موقف طوماس هوبس

أكد هوبس من خلال نظريته في القانون والسياسة أن القوانين تلزم، وقوة إلزامها من قوة السلطة التي تصدر عنها، في حالة الطبيعة يسود قانون الطبيعة يكون بموجبه على الإنسان فعل كل ما من شأنه الحفاظ على حياته الخاصة، كما توجد حرية طبيعية، تمتد بامتداد قدرة الإنسان الطبيعية. فالحرية الطبيعية هي حرية مشروطة بالقدرة الطبيعية. في هذه الحالة يخول لكل فرد أن يفعل ما يشاء بناء على قدرته، وهذا ما يجعل الجميع يدخل في علاقات قوة وعنف وظلم وجور، وبالتالي يجعل الحياة الاجتماعية عبارة عن فوضى. فالحرية الطبيعية فوضى، وحالة الطبيعة حالة فوضوية؛ أما عندما ينتقل الناس للعيش في ظل الدولة والمجتمع المدني المنظم بقوانين مشروعة، فإن حرية الأفراد تصبح حرية مدنية، أي منظمة بهذه القوانين ومحدودة بحدودها. ويجد كل شخص نفسه في هذه الحالة بغض النظر عن حجم قدرته وقوته بأنه حر في إطار حرية مشتركة. إذن الإنسان خراج نطاق الدولة والمجتمع المدني لا يمكن أن يتمتع إلا بحرية وهمية، ظرفية ونسبية؛ يمكن أن يحوزها تارة ويفقدها تارة أخرى بسبب العنف والعدوان المنتشر وتقلب الأهواء والطغيان والجهل المستمر الذي هو من طبيعة البشر. ومن هنا كانت الحرية الحقة هي تلك التي يعيشها الإنسان في إطار مجتمع منظم بسلطة عليا ترعى الجميع وتحافظ على حقوق الجميع وتتيح لهم حرية متساوية في التصرف طبقا لقوانين عامة تمنع تظالمهم وعدوانهم.

ثانيا: موقف بنجامان كونستان

الحرية بالمعنى الحديث عند كونستان هي ما يضمنه القانون وينظمه من أفعال، وليس ما تعتقده الذات. فأنا أكون حرا بقدر ما أسلك وفقا للقوانين والأحكام التي تنتظم وفقها الحياة العامة في مجتمع سياسي تحكمه دولة. وخارج ذلك فأنا لا أكون حرا، لأن حريتي في هذه الحالة قد لا أمارسها بشكل شرعي لأنها موجهة فقط لخدمة مصالحي وصيانة حقوقي، أي لا أعيشها بكيفية عامة تراعي حقوق الآخرين. إن الحرية الحقة هي التي ينظمها القانون، لأنها أوسع من حقوقي ومصالحي الخاصة، لكنها لا تلغي هذه الحقوق والمصالح بل تشملها. إن الحرية المؤسسة على قوانين عامة ومشروعة تجعل من كل فرد يحيا داخل مجتمع يتساوى أفراده مبدئيا في حقوقهم وواجباتهم: في التفكير والتعبير والحركة والتنقل والتجمع والعمل والاستمتاع بثمرات هذا العمل، والمشاركة في الحياة السياسية... والواقع إن موقف كونستان ليبرالي يتحدث عن الحرية من منطلق المجتمع السياسي والاقتصادي الرأسمالي الحر، يقوم فيه القانون على مبدأ الحرية الموسعة لنشاطات الفرد الرأسمالي (الاقتصادية والسياسية والثقافية...)، ولكن هذا النوع من الحرية غير متاح إلا في مجتمع ليبرالي كامل.

خلاصة المحور

إن الحرية الطبيعة حرية سائبة، نتيجتها الفوضى والظلم والطغيان، ولذلك وجب أن توجد قوانين وشرائع لتنظيم تلك الحرية ورسم حدودها، حتى يجد كل فرد حظه في ممارسة حقوقه وحريته من دون أن تضر وتنتهك حرية وحقوق الآخرين. فلو رفعت النواهي والأوامر الأخلاقية والقانونية لما خول إلا لشخص واحد أن يعيش بحرية هو الطاغية الديكتاتور. ففي كل إنسان طاغية وديكتاتور صغير قابع في أعماقه، يريد أن يكون حرا وحده والآخرون تابعين له، هو السيد والآخرون خدما له. لهذا حاولت الأ مم والدول أن تقيد أفعال الناس الطبيعية بقوانين وقيم أخلاقية وواجبات شرعية، تلزمهم باتباع القواعد المرسومة حتى لا ينتهكون حقوق وحرية غيرهم. فحقي وحريتي ينتهيان طبقا للقواعد القانونية والأخلاقية حين تبدأ حقوق وحريات غيري. وعليه فإن الحرية المدنية هي الحرية والحرية الطبيعية هي الفوضى.

google-playkhamsatmostaqltradent