أولًا: مطلب الفهم
تأطير النص
يضع النص المقترح للتحليل والمناقشة أمام مفهوم الوعي، من داخل المجال الإشكالي لمجزوءة الإنسان، باعتبار الوعي من أبرز مظاهر الحياة النفسية للإنسان، ومن خلاله يدرك ذاته وما يحيط به. وفي هذا السياق، يعالج النص إشكالية علاقة الوعي بالذات بالإدراك الحسي، محاولًا الكشف عن الكيفية التي يتحدد بها شعور الإنسان بذاته، وعن مدى إمكانية وجود وعي بالذات مستقل عن التجربة الحسية.
الإشكالات
- هل يمكن للإنسان أن يكون واعيًا بذاته بشكل مستقل عن الإدراك الحسي؟
- هل الوعي بالذات معطى ثابت ومستقل، أم أنه يرتبط بما ندركه من إحساسات وانفعالات؟
- هل يمكن تصور وجود الأنا في غياب كل إدراك حسي؟
ثانيًا: مطلب التحليل
أطروحة النص
يدافع دافيد هيوم عن أطروحة تجريبية مفادها أن الوعي بالذات لا يمكن أن ينفصل عن الإدراك الحسي، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعثر في تجربته الداخلية على ذات ثابتة ومستقلة عن الإحساسات والإدراكات التي يعيشها. فالإنسان عندما يبحث عن ذاته لا يجد "أنا" خالصة قائمة بذاتها، وإنما يجد دائمًا إدراكًا حسيًا أو انفعالًا معينًا: حرارة أو برودة، نورًا أو ظلامًا، حبًا أو كراهية، ألمًا أو لذة، وغير ذلك من الحالات الشعورية.
وبناءً على ذلك، يرفض هيوم التصور الذي يجعل الأنا جوهرًا ثابتًا ومستقلًا عن التجربة؛ لأن الذات لا تظهر للإنسان إلا من خلال ما يمر به من إدراكات حسية وشعورية. وعندما تنقطع هذه الإدراكات، كما يحدث أثناء النوم العميق، يتوقف الشعور بالذات مؤقتًا. لذلك يؤكد النص أن الإنسان لا يستطيع أن يعثر على ذاته منفصلة عن إدراكاته، بل إن ما نسميه "الأنا" يرتبط بتتابع هذه الإدراكات وتغيرها.
الوعي بالذات لا يوجد مستقلاً عن الإدراك الحسي، لأن الأنا لا تُدرك إلا من خلال مجموع الإحساسات والانفعالات التي يعيشها الإنسان.
شرح المفاهيم والعلاقة بينها
يرتكز النص أساسًا على مفهومي الوعي بالذات والإدراك الحسي؛ فالوعي بالذات هو شعور الإنسان بوجوده وبما يجري في تجربته الداخلية، بينما الإدراك الحسي هو ما يصل إلى الإنسان من إحساسات وتجارب مباشرة مرتبطة بالحواس والانفعالات، كالحرارة والبرودة والألم واللذة. وتقوم العلاقة بين المفهومين على التلازم والتكامل، لأن هيوم يرى أن الوعي بالذات لا يظهر في فراغ، وإنما يتحدد من خلال الإدراكات التي يعيشها الإنسان؛ فعندما أقول إنني أشعر بالألم أو باللذة أو أرى شيئًا أو أسمع صوتًا، فإن وعيي بذاتي يتجلى من خلال هذه التجربة الحسية والشعورية. لذلك لا يمكن، حسب النص، فصل الأنا عن إدراكاتها، لأن الذات لا تظهر باعتبارها جوهرًا ثابتًا وراء التجربة، بل تتجلى من خلال ما يمر بها من إحساسات وإدراكات متغيرة.
البنية الحجاجية
اعتمد هيوم في الدفاع عن أطروحته على مجموعة من الأساليب الحجاجية المترابطة؛ فقد بدأ بـالاستفهام من خلال التساؤل عما إذا كان الإنسان يستطيع أن يعثر على ذاته منفصلة عن إدراكاته، وهو استفهام يوجه القارئ إلى اختبار تجربته الداخلية. ثم اعتمد الحجة التجريبية، إذ دعا إلى الرجوع إلى التجربة المباشرة والبحث داخل الشعور عن الأنا، ليبين أن الإنسان لا يجد ذاتًا خالصة، وإنما يجد دائمًا إحساسًا أو انفعالًا معينًا. كما وظف التعداد حين ذكر مجموعة من الإدراكات الحسية والشعورية كالحرارة والبرودة والنور والظلام والحب والكراهية والألم واللذة، لإثبات تنوع محتويات التجربة الداخلية. واستعمل كذلك مثال النوم بوصفه حالة تنقطع فيها الإدراكات الحسية والشعورية، ليستنتج من ذلك أن غياب الإدراكات يؤدي إلى غياب الشعور بالذات، وبذلك ينتهي إلى تأكيد الترابط الضروري بين الوعي بالذات والإدراك الحسي.
ثالثًا: مطلب المناقشة
قيمة النص
إن الدخول في مناقشة النص يقتضي أولًا إبراز أهمية التصور الذي قدمه هيوم في فهم العلاقة بين الذات وتجربتها الحسية والشعورية.
تتجلى قيمة النص في تأكيده أن الوعي بالذات لا يتشكل في عزلة عن التجربة، بل يرتبط بما يعيشه الإنسان من إحساسات وانفعالات وإدراكات. ويمكن ملاحظة ذلك في حياتنا اليومية؛ فالإنسان يكتشف حالته النفسية من خلال ما يشعر به من فرح أو ألم أو خوف أو راحة. ويتقاطع هذا التصور مع موقف جون لوك الذي يؤكد أن المعرفة الإنسانية ترتبط بالتجربة، وأن التجربة الحسية تمثل مصدرًا أساسيًا لما يعرفه الإنسان عن نفسه والعالم.
حدود النص
غير أن هذا التصور يظل محدودًا لأنه يجعل الذات مرتبطة بشكل كبير بالإدراكات الحسية والشعورية، وهو ما قد يؤدي إلى صعوبة تفسير قدرة الإنسان على التفكير في ذاته باعتبارها ذاتًا واحدة ومستمرة رغم تغير أحوالها وإدراكاتها.
وتتجلى حدود النص في أن الوعي لا يقتصر على استقبال الإحساسات، بل يستطيع الإنسان أن يتجاوز المعطى الحسي وأن يدرك ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة وواعية. ويتعارض هذا التصور مع موقف روني ديكارت الذي يعتبر أن حقيقة الأنا تتحدد باعتبارها ذاتًا مفكرة، وأن وجودها يظل يقينيًا من خلال فعل التفكير حتى في حالة الشك في المعطيات الحسية.
رابعًا: مطلب التركيب
خلاصة القول، يتضح أن دافيد هيوم يرفض تصور الأنا باعتبارها جوهرًا ثابتًا ومستقلًا عن التجربة، ويرى أن الوعي بالذات يرتبط بما يعيشه الإنسان من إدراكات حسية وانفعالات شعورية؛ فالإنسان عندما يبحث داخل تجربته لا يجد ذاتًا منفصلة عن هذه الإدراكات، وإنما يجد سلسلة من الإحساسات والتجارب المتغيرة. وقد أبرز النص بذلك أهمية التجربة الحسية في بناء الوعي بالذات، غير أن هذا التصور يظل موضع نقاش أمام التصورات التي تجعل الوعي والفكر أساسًا لاستمرار الذات.
وفي رأيي، لا يمكن اختزال الوعي بالذات في الإدراك الحسي وحده، كما لا يمكن فصله تمامًا عن التجربة الحسية؛ فالإنسان يعيش من خلال إحساساته وتجربته، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يفكر في ذاته وأن يتأملها ويتخذ منها موضوعًا للتفكير. لذلك يبدو أن الوعي بالذات يتشكل من تفاعل التجربة الحسية مع النشاط الفكري للإنسان.