-->
U3F1ZWV6ZTQ4MDg1NDgxNzYwX0FjdGl2YXRpb241NDQ3NDIxNjM2MTM=
recent
آخر الاخبار

المحور الثالث: الحقيقة بوصفها قيمة

الحقيقة بوصفها قيمة 
يحكى عن الفيلسوف اليوناني "ديوجين" أنه حمل مصباحا في واضحة النهار، وخرج ليبحث عن الحقيقة وسط السوق، حيث كان عامة الناس منشغلون بحياتهم اليومية، وكان يردد "أنا أبحث عن الحقيقة ... أنا أبحث عن الحقيقة". ولقد اعتبرت الحقيقة عبر تاريخ الإنسانية قيمة عليا، قيمة فكرية، وعملية وقيمة أخلاقية. فهي ما يرغب فيه الإنسان، ويفضله، ويسعی نحوه عن قصد أو بغير قصد.
إشكال المحور 
من أي تستمد الحقيقة قيمتها...؟ هل الحقيقة قيمة في ذاتها أم أنها مجرد وسيلة لتحقيق منافع شخصية...؟ 
إيمانويل كانط 
الحقيقة عنده قيمة أخلاقية غاية في حد ذاتها، مما يعني أن القول الصادق مطلوب لنفسه، وليس بغرض تحقيق حاجيات عملية أو نفعية أو اعتبارات مصلحية شخصية. والكذب ليس بقيمة حتى يكون هدف البشرية أو هدف البحث العلمي، فهو قد يؤدي إلى مصلحة فردية، لكنه لن يكون ذا قيمة عقلية وهدفا إنسانيا. وهذا يجعل الحقيقة فضيلة، والبحث عنها وقولها واجب مطلق. ولا يجوز عقلياً وأخلاقياً إخفائها والتكتم عليها. وإلا، يسود الكذب وينتشر التضليل، وتروج المغالطات. قيمة الحقيقة في الارتقاء بالقدرات العقلية وصحة السلوك الإنساني... وهذا ما ذهب إليه بقوله: "إن قول الحقيقة واجب، يتعين اعتباره أساسًا وقاعدة لجميع الواجبات التي يجب تأسيسها وإرساءها على أساس قانوني".
شاهد أيضا
فريديريك نيتشه 
الحقيقة ليست سوى وهم. فإذا كان الخطأ لا ينفصل عن الحقيقة، فإن نيتشه لا يفصلها عن الوهم، ويرى أن الوهم أخطر من الخطأ، لصعوبة اكتشافه بسهولة، نظرا لما يحققه من رغبات وجدانية ونفعية للإنسان، تؤمن له حفظ بقاءه واتقاء شر الآخرين، وهذا ما يدفع به إلى استخدام العقل من أجل إنتاج الوهم، لأن الحقيقة قاتلة. ومن بين هذه الأوهام التي يعتنقها الضعفاء لدفع جبروت الأقوياء، تلك القيم الأخلاقية التي ترفع كشعارات تعويضية، كالصبر والتعاون والعدل... إنها أوهام نسي الإنسان أنها أوهام، وتعتبر اللغة الأداة الأساسية التي يعتمد عليها الإنسان في صناعة الوهم، لأنها من طبيعة استعارية ومجازية. وهكذا فقيمة الحقيقة تتحدد من وجهة نظره، في فائدتها ومنفعتها، فهي ليست غاية في ذاتها، بل هي وسائل لغاية نفعية.
إريك فايل 
يعتقد أن نقيض الحقيقة ليس خطأ، بل العنف. لذا فقيمتها تكمن في إنشاء خطاب عقلاني متماسك، يلغي العنف لصالح المعنى. لقد حدث تغيير في مشكلة الحقيقة، بحيث لم تعد الحقيقة في تطابق الفكر مع الواقع، ولكن في تطابق الإنسان مع الفكر، أي مع الخطاب المتماسك. فالإنسان يعيش في عالم مليء بالعنف والبؤس والقتل والجوع، وعليه أن يفكر في هذا العالم ليُظهر له الحقيقة، من خلال خطاب معقول ومتماسك هدفه قبول الاختلاف والقضاء على العنف المرتبط بإرادة فرض الخطاب الواحد واستبعاد الخطابات المخالفة بالقوة. وهو ما يعني أن الحقيقة هي حقائق تتعدد وتختلف بتعدد الإنسان واختلافه في العالم. لذلك، لا ينبغي تضييق أفق الحقيقة واختزاله ليتناسب مع ما هو حق من وجهة الفكر أو الواقع. بدلاً من ذلك، يجب توسيعه ليتوافق مع الإنسان في تنوعه وتعدده.
خلاصة المحور 
هناك معاني عديدة للحقيقة، وتختلف معايير تمييزها وقيمها. وبناءً على ذلك، لا يجب النظر إلى المواقف المختلفة على أنها تصورات متناقضة معادية لبعضها البعض، بل تشير إلى نسبيتها، وأن كل واحد يمثلها من زاوية معينة وفي عصر معين، وليس في شموليتها وإطلاقها. لذلك، كل فلسفة أو علم أو نظرية ليست سوى تعبير نسبي مؤقت للحقيقة أو لحظة في عملية البحث عنها.


الاسمبريد إلكترونيرسالة